ابن عجيبة
504
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الناس ، ولأنحينّه من قربى ، ولأقطعنه من وصلي ، أيؤمّل غيرى في النوائب ، والشدائد بيدي ، وأنا الحي ، ويرجى غيرى ويقرع بالفكر باب غيرى ، وبيدي مفاتح الأبواب ، وهي مغلقة وبابى مفتوح لمن دعاني ، ومن ذا الذي أملنى لنائبة فقطعت به دونها ؟ ومن ذا الذي رجاني بعظيم جرمه فقطعت رجاءه منى ؟ ومن ذا الذي قرع بابى فلم أفتح له ؟ جعلت آمال خلقي بيني وبينهم متصلة ، فقطعت بغيري ، وجعلت رجاءهم مدخورا لهم عندي ؛ فلم يرضوا بحفظي ، وملأت سمواتى بمن لا يملون تسبيحى من ملائكتي ، وأمرتهم ألا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي ، فلم يثقوا بقولي ، ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبى أنه لا يملك كشفها أحد غيرى ؟ فما لي أراه بآماله معرضا عنى ؟ ومالي أراه لاهيا إلى سواي ، أعطيته بجودي ما لم يسألني ، ثم انتزعته منه فلم يسألني رده ، وسأل غيرى ، أفتراني أبدا بالعطية قبل المسألة ثم أسأل فلا أجيب سائلى ؟ أبخيل أنا فيبخلنى خلقي ؟ أليس الدنيا والآخرة لي ؟ أو ليس الفضل والرحمة بيدي ؟ أو ليس الجود والكرم لي ؟ أو ليس أنا محل الآمال ؟ فمن ذا الذي يقطعها دونى ؟ وما عسى أن يؤمّل المؤملون لو قلت لأهل سمواتى وأهل أرضى : أمّلونى ، ثم أعطيت كل واحد منهم من الفكر مثل ما أعطيت الجميع ، ما انتقص ذلك من ملكي عضو ذرّة ، وكيف ينقص ملك كامل أنا فيه ؟ . فيا بؤس القانطين من رحمتي ، ويا بؤس من عصاني ولم يراقبنى ، وثب على محارمى ولم يستح منّى . ] ه . ثم أزاح عذرهم بإرسال النذير ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 108 إلى 109 ] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 108 ) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ( 109 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ الرسول أو القرآن ، فَمَنِ اهْتَدى بالإيمان والمتابعة فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ؛ لأن نفعه لها ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ؛ لأن وبال الضلال عليها ، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي : موكل عليكم ، فأقهركم على الإيمان ، وإنما أنا بشير ونذير . وهو منسوخ بآية السيف . وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ بالامتثال والتبليغ ، وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بينك وبين عدوك ، بالأمر بالقتال ثم بالنصر والعز ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ إذ لا يمكن الخطأ في حكمه ، لاطلاعه على السرائر كاطلاعه على الظواهر .